الأربعاء، 31 أكتوبر 2012


   إن الحكم إلا لله ... نعم ... ولكن بالقانون  



 
د. أحمد لطفي السيد مرعي* 

 
(1)

القانون هو سيف الشريعة المعاصر، وكما لا يمكن لعاقل أن يدخل حرباً في عصرناً الحالي متسلحاً فقط بالسيف والخيل والسهام، بدعوى أنها كانت أداة السلف في حروبهم، فإن أقول بالمثل أنه لا يمكن لراغب بحق في إنفاذ الأحكام الشرعية المنظمة لمعاملات الأفراد وعلاقتهم ببعضهم البعض (باعتبار أن هذه المعاملات هي محل التنازع أمام الجهات القضائية، خلافاً لأمور الاعتقاد أو العبادات أو الأخلاق، التي محلها ساحات الفتوى) أن يترك هذه الأحكام أسيرة كتب الفقه الشرعي معتقداً أنها تصلح أن تكون بذات حالها هذا أداة تنظيم معاصر لتلك المعاملات؛ فالحق أنها على حال من التفاوت والتنوع بحسب الرؤى الفقهية في المسألة الواحدة، واختلاف كل فقيه – وربما حتى مع تلاميذه - في فهم الآية الواحدة أو الحديث الواحد أو في تحديد المصادر المعتبرة لاستنباط الحكم الشرعي، الأمر الذي يجعل التحاكم إليها في ساحات القضاء أمر عسير ويثقل كاهل القضاة بعبء استخلاص الحكم الشرعي من بين مئات الكتب في المذهب الواحد. وليس من سبيل لأن يصبح التحاكم لشرعة الله واقعاً بين الناس في خصوماتهم إلا بإفراغ أحكام تلك الشرعة في جانب المعاملات في قالب قانوني مما تتعارف عليه النظم القانونية التي تسود عالمنا المعاصر، بما يمكن أحياناً من الأخذ عند صناعة التشريع بالحلول التي ذهبت إليها الأنظمة المقارنة طالما أنها لا تتصادم مع صريح القرآن أو السنة أو إجماع علماء الأمة. وهكذا يصبح القانون أداة توفيقية بين اتجاه التراثيين Traditionalists الذين يقفون بالأحكام الشرعية المتعلقة بالمعاملات عند حد الإرث المتجزر في كتب الفقه، وبين رؤى الحداثيين Modernists الذين يستخدمون القانون كجسر تعبر من خلاله الحلول القانونية المعاصرة من الفقه الغربي إلى التشريع الوطني. زعلان إنته من الكلمتين دول؟ طب خليك معايا شوية، متخفش، مش هخليك تخرج على أحكام الشريعة، وبالقانون.

دعونا نبدأ من تساؤل هل يتعارض القانون مع الشريعة؟ أسمع أحد المتشنجين يقول طبعاً، الشريعة هي أوامر الله ونواهيه، أما القانون فهو صنع البشر، أو ما يسميه العامة جهلاً منهم بمعنى التسمية "قانون وضعي Positive Law". إذا كان الأمر كذلك فما رأيك في نص المادة الأولى من قانون العقوبات الإتحادي لدولة الإمارات العربية المتحدة رقم 3 لسنة 1987 الوارد نصها: "تسري في شأن جرائم الحدود والقصاص والدية أحكام الشريعة الإسلامية، وتحدد الجرائم والعقوبات التعزيرية وفق أحكام هذا القانون والقوانين العقابية الأخرى".

تفهم إيه من النص ده؟ أولاً نفهم إن فيه أجزاء في معاملات الناس قد لا تغطيها الشريعة، فيترك أمر تنظيمها بقانون. ومنها مثلاً وفق المثال السابق الجرائم التعزيرية، وهي أفعال لا حد فيها ولا قصاص ولا كفارة، ويترك أمر تحديد أحكامها العقابية لولاة الأمر (السلطة التشريعية بالمفهوم المعاصر). ثانياً نفهم إن الجزء الخاص مثلاً بالحدود والقصاص والديات متروك لحكم الشريعة. هنا بقى مربط الفرس.


(2)

تقدر تقلي حضرتك ماذا تقول أحكام الشريعة في هذا الشأن؟ وقبل ما تفتح فمك بالكلام، أحب أسألك، هترد بالكلام الموجود في أي كتاب من كتب الفقه؟ أصل الكتب والمذاهب في المسألة الواحدة من هذه المسائل محل خلاف واجتهاد كبير. وهذا في شأن أقدس ما قد يرد على ذهن البعض من أحكام الشريعة، وهو باب الجرائم من حدود وقصاص، فما بالك بتنوع الخلاف في أبواب العقود والمعاملات المالية والأحوال الشخصية.

تقدر تقول لي النصوص الشرعية في شأن هذه الجرائم هل ستطبق على المسلم والذمي والمستأمن في مصر أم على المسلم وحده؟ الأمر فيه خلاف بين المذاهب، بل وداخل المذهب الواحد. طب ماذا بشأن الجرائم التي يرتكبها المصري في الخارج، وبخاصة الحدود؟ هل سيعاقب عليها ولو لم يعد إلى مصر، باعتبار أن الشريعة في أصلها عالمية التطبيق، أم يتعين انتظار عودته إلى مصر، باعتبار أن واقع الشريعة إقليمي التطبيق؟ الأمر فيه خلاف وشرحه يطول. تقدر تقولي مثلاً لما هنروح عند القاضي في جريمة سرقة، مين إللي يقول إنها سرقة حدية توجب القطع، أو أنها سرقة تعزيرية توجب التعزير فقط بالجلد أو بالسجن وبالمال...الخ، يعني مين هيحدد شروط كل نوع من السرقة؟ فنصاب القطع محل خلاف، ومفهوم الحرز محل خلاف. طب قال القاضي إنها سرقة تعزيرية، يجلد بقى كام جلدة؟ وكيف يتم الجلد؟  ولا سجن كام يوم؟ ولا كام سنة؟ ولا غرامة قد إيه؟ إن قلت القاضي يحدد، طب يحدد على أي مذهب؟ نسيبها ميغة يعني؟ طب لما يقطع، يقطع فين؟ مستشفى مثلاً؟ ويقطع إيه؟ الأيدي؟ طب يمين ولا شمال؟ يمين، طيب وإللي ملوش يمين؟ يروح للشمال أم للأرجل؟ وأي رجل؟ طب وإللي اتقطع له مرة ولا مرتين، نقطع له في الثالثة رجل ولا نسيبه؟ كثير من هذا مختلف عليه بين الفقهاء لدرجة أنك تكاد لا تجد شيء مجمع عليه.

طب قولي فهمت إيه من الآية الكريمة: "إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ" [المائدة، الآية 33]. تقدر تقولي الآية قالت لك مين هو المحارب؟ أو ما هي شروط جريمة الحرابة؟ أبداً، وكل فقيه ورأيه. إحنا بقى لما نروح للقاضي علشان يطبق أحكام الشريعة إللي ساعدتك مفكر إنه بجرة قلم هتطبق، ياخد بأي رأي يعني؟ مثلاً إللي يقطع طريق ويعطل المواصلات هنعتبره محارب ومفسد في الأرض، يقتل أو يصلب أو تقطع أيديه وأرجله من خلاف أو ينفى من الأرض؟ وإللي يتحرش جنسياً هيكون محارب؟، إللي يعمل أفلام فيها مشاهد خارجة هنعتبره محارب؟، أم فقط من يخرج لأخذ مال الغير بالقوة وعلى سبيل المغالبة في مكان يتعذر فيه الغوث؟ طب ممكن نجمع بين العقوبات دي؟ طب العقوبات دي على الترتيب أم على التخيير؟ طب كيف يصلب المحكوم عليه؟ حي ويترك ليموت؟ أم يقتل ثم يصلب مقتولاً؟ قول لي؟ صعب تقول لي، ومش إنته إللي تختار لي، ولو كنت أفقه علماء الشريعة، ما ينتهي إليه البرلمان في صورة قانون فقط هو إللي يقول ويرجح بين الآراء.


(3)

بلاش دا كله، أسألك هيه إيه الحدود؟ الردة حد أم لا؟ بتزعق وتقول حد؟ طب هو كل الفقهاء قالوا حد؟ سكت ليه؟ لازم تعرف إن مش كل الفقهاء متفقين على كده؛ فهناك من يقول أنها جريمة تعزيرية فقط، وهناك من يقول لا حد إلا بخصوص الردة الجماعية، بل هناك من ذهب إلى أنه لا يوجد حد ردة أصلاً في الإسلام؟ ولكل رأي حججه، هناخذ بقى بأي الآراء؟ طب ولو قلنا إنها حد، هنترك له فترة استتابه قد إيه؟ طب إيه رأيك في رأي من قال يستتاب المرتد أبداً؟ يعني إلى أن يموت. طب وماذا عن ردة المرأة؟ هل تقتل هي الأخرى لردتها؟ طب والرأي إللي بيقول إن المرأة المرتدة لا تقتل هنرميه البحر؟ شرب الخمر حد أم لا؟ بتزعق وتقول حد، طب وإيه رأيك في من رأي أنها ليست حداً؟ يكون كفر يعني بأحكام الشريعة، أم اختلف فيها؟ طب ومين يفصل في الخلاف. المفتي مثلاً؟ طب الفتوى لا تلزم إلا صاحبها، إزاي هنلزم بيها القاضي؟ بتقول وزير العدل ولا مجلس القضاء يقول للقضاة بالرأي إللي عاوزينه؟ يا حبيبي لا الوزير ولا مجلس القضاء يقدر يتدخل في عمل القاضي ويفرض عليه رأي. أقولك مين إللي ممكن يفرض على القاضي رأي؟ هوا القانون مفيش غيره، إللي بيعمله البرلمان وفق النظم المعاصرة. شفت بقى معرفناش نطبق أحكام الشريعة إلا من خلال القانون إزاي؟ وفي رأيك بقى ده يبقى قانون بتاع ربنا، ولا بتاع البشر الوضعي الكخة؟

طب يعني إيه قصاص؟ هتقول لي يعني القاتل يقتل. شاطر، حافظ يا واد، بس للأسف مش فاهم. تقدر تقولي لما مسلم هيقتل مسيحي، هنعمل فيه إيه؟ هناخذ بالرأي إللي بيقول لا يقتل المسلم بكافر، ولا بالرأي إللي بيقول الكل سواء؟ مين إللي هيقول؟ طب لما رجل يقتل إمرأة، هنعمل إيه؟ هنساوي بينهم، ولا هنمنع القصاص؟ طب هنقتص إزاي؟ بالسيف ولا بمشنقة ولا بكرسي كهربا ولا بحقنة سم ولا ماذا؟ هتقول لي برضه القاضي يحدد، طب وإذا كل محكمة خدت برأي نعمل إيه؟ نوحدهم إزاااااااي؟ أيوه شاطر، بالقانون. وده بقى يبقى قانون رباني، ولا قانون من بتوع العلمانين والليبراللين بتوع القانون الفرنسي ولا الانجليزي ولا معرفش إيه الكخة الوحش؟ وأنا لن أكلمك عن كثير من الأمور التي ربما لم يرد في كتب فقهاء المسلمين عنها شيء بشأن الجرائم والعقوبات أو بشأن الإجراءات الجنائية (بحكم تخصصي) والتي ستكون من خلق بشري صرف. شايفك زعلان من الكلمة الأخيرة دي؟ متزعلش، ما هو ربنا سبحانه وتعالى أعلم بخلقه وأرحم بهم، فترك لهم مساحة اجتهاد في ما لا نص صريح فيه من قرآن أو سنة، قولي بقى المساحة دي هتتنظم إزاي؟ جدع، بدأت تيجي معايا أهو، بالقاننننننون.

وهكذا الحال في كثير من مناحي الحياة التي سكتت الشريعة عن الاتيان بتفصيلاتها، أو ربما بيان أحكامها من الأساس، مثل قوانين الضرائب، الجمارك، المرور، البيئة، البناء والتشييد، الأسلحة، المخدرات، حماية المستهلك، تنظيم المنافسة، الشركات، المناقصات والمزايدات، الملاحة الجوية والبحرية، المرافعات، العمل، الوظيفة العامة، السلطة القضائية، الأنشطة الرياضة، تنظيم المهن الحرة، الجمعيات الأهلية، تنظيم المؤسسات المالية، تنظيم الانتخابات، شؤون الأحزاب، مباشرة الحقوق السياسية، تنظيم المؤسسات التعليمية، سوق الأوراق المالية، التحكيم التجاري، أحكام الجنسية، الملكية الفكرية والصناعية، الجرائم التعزيرية، ناهيك عن الموضوعات المرتبطة بالعلاقات الدولية والاتفاقيات المنظمة لها، وغيرها الآلاف المؤلفة من القوانين التي يدرس طالب الحقوق بعضاً منها ثم ينطلق في حياته المهنية ليعمل على إنفاذ أحكام كافة القوانين بحسب ما يعرض عليه من مسائل وقضايا. قول لي، دي تبقى قوانين شرعية، ولا قوانين بشرية؟ نتركها ولا ناخد بيها؟ ولو حبينا ناخد بيها، ممكن نشوف البشر إللي زينا نظموها إزاي ونعمل زيهم، ولا ده يبقى حرام لأنهم علمانيين وحشيين؟ أجيبك أنا إنها (أي هذه القوانين) بالطبع بشرية، ويجب الأخذ بها، والإطلاع على تجارب الآخرين في ذلك عند سنها، مثلها مثل سيارتك الكورية، أو لعبة طفلك الصينية، وبدلتك الفرنسية، وحذائك الإيطالي، وخادمتك الفيليبينية، أيها المسلم. فإن قلت علينا ترك هذه القوانين لأنها تحمل مفاهيم العلمانيين والملاحدة، فعليك التخلي عن سيارتك، ورمي لعبة طفلك، وخلع بدلتك وحذائك، وترحيل خادمتك. وإياك أسمعك مثلاً بتسأل هيا الأجازة الاعتيادية للموظف كام يوم؟ ولا أعمل إيه مع المستأجر إللي مماطل في الأجرة؟ إزاي أخرجه من السكن؟ ولا مكافأة نهاية خدمتي مختهاش أعمل إيه؟، ولا فصلوني ظلم أعمل إيه؟ ولا رابطين عليا ضريبة أرباح عاليه قوي وظلم أعمل إيه؟ ولا أعمل إيه مع إللي رافضين يرخصوا ليا المخبز مع إني كل الشروط إللي طالبنها متحققة فيا؟ ولا إلحقوني أخدوا ابني امبارح ظلم في قضية بانجو؟ ولا أحفظ حقوق الملكية الفكرية لاختراعي الجديد إزاي؟ ولا أعمل إيه في فلوسي إللي كانت عند واحد بيستثمرها ليا وخدها وهرب؟ لأني ساعتها هقولك روح افتح المصحف أو الصحيحين وابحث عن الإجابة، أو اتصل بإحدى الفضائيات الدينية جايز الشيخ يدلك. وهذا ليس نقص في القرآن المجموع بين دفتي المصحف، ولا في السنة المجموعة في الصحيحين، وإنما هو قصور في فهم البعض الذي لا يدرك أن تفاصيل الأحكام الشرعية هي محض جهد بشري يرتكن إلى الموجهات العامة في القرآن والسنة.
 

(4)


وأظنك توافقني الرأي الآن أن نص المادة الأولى من قانون العقوبات الإماراتي حين تكلمت عن أحكام الشريعة هكذا في عبارة شاملة فإنها لم تفد في شيء، بل أحسبها (ولعلي مخطئ) قد وضعت لدغدغة المشاعر حتى لا يقال عن القانون أنه ترك تحكيم الشريعة وتثور ثورة الثائرين، لهذا وضعوا نصاً في أول القانون يريح وينزع الفتيل. تحبوا بقى نحط ليكم نص كهذا وفقط، أم نكون ممن يحترم شريعته ويعطيها القدر اللائق بها؟

إن أحببتم أن نكون من هذا الصنف الثاني فعلينا أن نتخير من الآراء الشرعية ما يناسب مجتمعنا طالما كانت آراءً شرعيةً معتبرة فنفرغها بالتفصيل في صورة قوانين بالأسلوب المعاصر للتحاكم. إنه تحاكم بالقانون الذي وضعه البشر من حيث الظاهر فقط، ولكنه في جوهرة تحاكم إلى شرع الله، الذي جرى على لسان فقيه أو أكثر من علماء المسلمين الثقات، أو ظهر في قول أهل القانون المعاصرين، في ما لم يعرض من نوازل على الفقهاء الأوائل. وهكذا فعل مثلاً المشرع اليمني الذي أفرع بالتفصيل جرائم الحدود والقصاص والديات في القانون رقم 12 لسنة 1994 والمسمى قانون الجرائم والعقوبات، مرجحاً من الآراء الشرعية ما يناسب البيئة اليمنية، وأيضاً تبنى آراء القانونين المعاصرين في ما لا يتصادم مع حكم شرعي؛ إنه تحاكم لشرع الله في قالب معاصر. ولو كان يدرك المشرع اليمني أن نصوص الشريعة قابلة للتطبيق ذاتياً أو فيها من التفصيل ما يمكن من تطبيقها دون حاجة إلى قانون لما أصدر هذا القانون المفصل للأحكام والمرجح بين الآراء، الذي يحترم التطور المعاصر للفصل بين السلطات، والذي ينقل آلية الاجتهاد في خلق الحكم الشرعي من السلطة القضائية – على نحو ما كان سائداً خلال سنوات طوال من حياة الخلافة الإسلامية - إلى السلطة التشريعية كما تعرفها النظم العاصرة.

والأمر ذاته يتعين إعماله بشأن المعاملات المالية والأحوال الشخصية، والتي يحكمها بالأساس فرع القانون المدني. وإذا كانت المادة الأولى من القانون المدني المصري الصادر بالقانون رقم  131 لسنة 1948 تنص على أنه: "(1) تسري النصوص التشريعية على جميع المسائل التي تتناولها هذه النصوص في لفظها أو في فحواها. (2) فإذا لم يوجد نص تشريعي يمكن تطبيقه، حكم القاضي بمقتضى العرف، فإذا لم يوجد، فبمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية ، فإذا لم توجد، فبمقتضى مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة"؛ فإن النص لا يتضمن أمراً بالتحاكم إلى القوانين التي تخالف الشريعة الإسلامية في هذا الصنف من المعاملات؛ إنه يتضمن خطاباً للقاضي بأن يبدأ عند فصله في منازعة بالبحث عن حل لها أولاً في نصوص التشريع (النص القانوني المكتوب)، الذي يتعين أن تمده به الأغلبية الإسلامية في البرلمان الجديد. فلم يعد من مهام القاضي في عصرنا الحالي خلق النص، بل مجرد الاجتهاد في القائم من النصوص. وعلى هذا يتعين على تلك الأغلبية تعديل القائم من القوانين وإصدار ما تحتاجه مصر من تشريعات جديدة بما يتوافق مع أحكام الشريعة، وعندها سيلتزم القاضي بإعمالها لأنها التشريع.

أما حال ألا يوجد نص مكتوب يحكم النزاع، فقد ألزمته المادة الأولى سالفة الذكر البحث في العرف عن حل للخصومة، وفي ذلك رحمة بالناس لأنه سيحكم بما ألفوه من حلول، وهذا أرعى لمصالحهم، متى لا تصادم هذه الحلول نصاً شرعياً، فصار اللجوء لهذا الحل مصلحة مشروعة، وكما يقال حيث وجدت المصلحة فثم شرع الله. فهل لجوءه للعرف هنا تحاكم بغير الشريعة أم ماذا؟ طبعاً تحاكم بالشريعة ونص.

فإن لم يكن العرف مسعفاً للقاضي في تقديم حل للنزاع لجأ القاضي في المسألة إلى المبادئ العامة للشريعة التي هي مقاصد الشريعة وروح الإسلام، وهي نوع من الاجتهاد من قبل القاضي في مجموعة من القواعد الفقهية؛ ومنها مثلاً قاعدة الضرر يُزال، وقاعدة درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح، وقاعدة المشقة تجلب التيسير... وهكذا. ويمكن إيضاح الفكرة بهذا الفرض المجازي: افترض إن امرأة أرادت أن تستخرج رخصة قيادة سيارة، في أول ظهور للسيارة في مصر، فرفضت إدارة المرور منحها الترخيص، بحجة أن قيادة المرأة حرام لقول ربنا سبحانه وتعالى "وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ" [الأحزاب، الآية 33]. فرفعت هذه المرأة دعوى لإلغاء القرار السلبي بالامتناع عن منحها رخصة السير، لما الدعوى تروح للقاضي الذي يتحاكم بالشريعة... يحل المسألة إزااااااي؟ أولاً القاضي معندهوش نص صريح من قرآن ولا سنة ولا قانون يمنع المرأة من قيادة السيارة، ومعندهوش عرف بخصوص هذا الموضوع لأن السيارة لسه يا دوباك جديدة في المجتمع، يعمل إيه القاضي؟ أه... يروح لمبادئ الشريعة. ووفق هذه المبادئ يمكن أن يستند لقاعدة الأصل في المعاملات الإباحة، وبالتالي يلغي قرار جهة المرور ويأمر بمنحها الرخصة. وهذه قاعدة يسندها الفقهاء إلى ما ورد في الحديث عن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئاً، وتلا قوله تعالى: "وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا" [مريم، الآية 64]. كما يمكن للقاضي في الفرض الذي سقناه أن يستند إلى قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ومن ثم يرفض دعواها.

وهذا منطق سليم للتحاكم بين الناس؛ فيقضى في شؤونهم أولاً بالنص التشريعي المكتوب، منين بقى تستمده؟ أنته وشطارتك، لو برلمان اسلامي عدل قوانينك وأكتب الجديد منها وفق أحكام الشريعة، وليصدرها رئيس الدولة في قانون وسوف يطبقه القاضي أولاً على كل نزاع معروض لأنه التشريع، أي النص المكتوب، الذي أوجبت تطبيقه المادة الأولى من القانون المدني. فإن لم يجد القاضي للمسألة حلاً تشريعياً لجأ إلى المصادر الاحتياطية سالفة البيان، ولا يلومن أنصار الشريعة داخل البرلمان إلا أنفسهم لأنهم عندئذ سيكونون هم من قصروا في تحكيم الشريعة من خلال النصوص القانونية.

ووفق هذه الآلية إذا يمكن أن تأخذ أحكام الشريعة وضعها في النظام القانوني المصري بعملية جراحية صغيرة، يساعد على نجاحها حتماً أن جل القوانين القائمة تتوافق نصوصها من تلك الأحكام، حتى خارج دائرة الأحوال الشخصية؛ وأن ما يحتاجه النظام القانوني المصري كي يتواءم كاملاً مع أحكام الشريعة الاسلامية لا يعدو أن يكون تنقيح لعدة نصوص، أو إصدار مشاريع القوانين الموجود بالفعل في مضابط البرلمان المصري منذ سنوات، لاسيما ما يتعلق بجرائم الحدود. ودعونا ننطلق.

وليسأل كل من يظن أن حكم الشريعة يعني التحاكم بغير القانون، لماذا أنشئت المملكة العربية السعودية كليات حقوق وأقسام قانون، مستقلة تماماً عن كليات الشريعة وهي البلد الأول في تحكيم الشريعة، والنموذج الذي قد تتوق إلى احتذاءه قلوب بعض علماء الشريعة لدينا؟ أتظنون أن المملكة قد ارتدت عن الإسلام أو أنها تتحاكم لغير شريعته؟


حنانيكم يا علماء الشريعة! فلسنا أهل القانون من الخوارج ولا جبتاً أو طاغوتاً؛ اجعلونا عوناً لكم في افراغ الأحكام الشرعية في القالب القانوني المعاصر، ودعوناً نتلمس علاجاً لمشكلات مصر بأدوات وحلول تشريعية معاصرة، طالماً أن مساحة الاجتهاد الشرعية تسمح بذلك، ولا تكونوا كمن يصر على أن يحارب بالسيف والخيل والسهام.


  
               

(*) أستاذ القانون الجنائي المساعد – كلية الحقوق جامعة المنصورة

     وكلية الحقوق والعلوم السياسية – جامعة الملك سعود

       

            الرياض: الثلاثاء 30/10/2012م.

 
صراع المبادئ والأحكام في الدستور الجديد

               
د.أحمد لطفي السيد مرعي*


 (1)

عَظم الخلاف بين ربابنة السفينة المصرية داخل قمرة القيادة، المسماة بالجمعية التأسيسية للدستور، وانقسموا إلى شِعبين (بكسر الشين): شِعب بني مبادئ، وشِعب بني أحكام، وصار بينهم من الصراع ما قد يخلق مشهداً جديداً لبلال الحبشي في القرن الحادي والعشرين، ويمثله المواطن المصري الذي تنهال فوقه رأسه المقالات وبرامج التوك شو، يدفعونه سادة كل فريق إلى أن ينتهج منهجهم؛ فيخاطبه جمع قائلين له: ارجع إلى أحكام الشريعة، وهو يوجه أصبع السبابة في وجوههم قائلاً بل مبادئ مبادئ الشريعة، ويدعوه جمع أخر قائلين له: ارجع إلى مبادئ الشريعة، وهو بذات السبابة يشير ويقول أبداً، بل أحكام أحكام الشريعة.

والحق أنه لا صراع واجب بين المبادئ والأحكام في ميدان الشريعة، هكذا يجب أن يفهم سادة الشِعبين؛ فكلاهما مكمَّل ومجمَّل للآخر؛ بل أزعم أن بقاء الأحكام الشرعية وسلامتها يتوقف على المبادئ والمقاصد الكلية لها التي رسختها هذه الشرعة المباركة، وأن أحكام بغير مقاصد ومبادئ كلية مهلكة. وهكذا أنحاز فكرياً من ناحيتي لأنصار الاكتفاء بالنص على مبادئ الشريعة الإسلامية ومقاصدها الكلية في الدستور الجديد. ولكن ما علة ذلك؟

دعوني في سبيل كشف العلة أن أطرح التساؤل التالي: هل تتقدم الأمم بالأحكام أم بالمبادئ؟ أظن أن  رفعة الأمم في علمها واقتصادها لو كانت تتوقف على شرائعها وما تضمنته من أحكام، لكان أقرب إلى هذا التقدم في عصرنا الحالي تلك الدول يجري سن قوانينها وفق أحكام الشريعة الإسلامية، بينما كان على أوروبا وأمريكا أن تقبعا في ذيل الأمم، وأن لا علواً في الأرض يشاهد لدول الملاحدة من عباد بوذا أو البقر. ولكن لماذا الأمر ليس كذلك؟ ... بيت الداء في رأي – وقد أكون مخطئاً – يكمن في أن الأولى تشهد تراجعاً في المقاصد الكلية وقيم ومبادئ شريعتها (الشريعة الإسلامية)، وأخصها العدالة والمساواة والحرية، حتى ضربهم الله بقلة العمل وعدم اتقانه، كل هذا رغم أن كافة أجهزة تلك الدول – فضلاً عن دستورها - تعزف نغمة واحدة مفادها أنك في دولة "دستورها القرآن والسنة"، بينما لا تجد من هذا القرآن وهذه السنة واقعاً ينبض بالحياة إلا كثير أحكام (وبخاصة بابا العقيدة والعبادات)، في الوقت الذي تتضاءل أمام عينيك القرائن المؤكدة لشيوع مبادئ الشريعة في ممارسات السلطة وإدارتها شؤون الجماعة (إلا لدى ما رحم ربي). وكل ذلك نقيض ما يحصل في بلدان الصنف الثاني؛ فلن يصعب عليك في تلك البلاد أن تجد من الأدلة القطعية العملية ما يبرهن على أن هذه الأمم قد أقامت عمد دولها على جملة من المبادئ العامة التي صاغتها الإنسانية عبر مراحل تمدنها، تتشربها قلوب وعقول مواطنيها، وتترسخ في دساتيرها، ثم تشاهد في أرض الواقع خلال ممارسات سلطة الدولة وتسيرها شؤون العامة؛ كل ذلك رغم اختلاف هذه المجتمعات عن ديارنا عقيدةً وأحكاماً. ولقد علمنا حين عشنا في كلا الصنفين من البلدان أن الشيخ محمد عبده لم يكن مبالغاً حين قال بعد زيارته أوروبا: "رأيت إسلاماً ولم أجد مسلمين"؛ فهل رآه بمنظار الأحكام؟ أم بمنظار المبادئ؟ وهل عاب ديارنا لنقيصة في أحكام شرعتها، أم لغياب مبادئها عن الواقع المعاش؟ لاشك أن موطن الداء يكمن في تراجع مبادئ الشريعة الإسلامية، ولاسيما في علاقة السلطة بالفرد.

 
(2)

وحين كانت هذه المبادئ حية في القلوب وواقعاً معاشاً ويدركه حكام المسلمين فتحوا مشارق الأرض ومغاربها، فهل يا ترى بلغ المسلمون الأوائل – وهم حينها أهل السلطة الجدد في البلاد المفتوحة – هذا الحظ من التمكين بأحكام الإسلام أم بمبادئه؟ من المؤكد عندي أن مبادئ الشريعة الإسلامية تتصدر أسباب هذا التسيد، ولا عجب أن تكون كثير من هذه الفتوحات بغير قتال حين شهد أهل البلاد كيف أن حكامهم الجدد من المسلمين قد نشروا في البلاد المفتوحة فضائل العدل والمساواة والتسامح والحرية؛ فهي مكارم الإسلام وأخلاقه، وهل بُعث نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم إلا ليتمم مكارم الأخلاق، كما جاء في الحديث. ولهذا لا أتعجب حين أعلم أن أحكام الإسلام تسمح بإقامة الأسرة بين مسلم وأخرى من أهل الكتاب رغم ما بين ديانتهما من اختلاف في الأحكام؛ فالإسلام يعطى القاسم المشترك من المبادئ والأخلاق أولوية وعناية. 

ولنبق قليلاً أيضاً مع سيدنا رسول الله لنوضح فكرتنا؛ ماذا كان يقصد سيدنا رسول الله، حين خطب الناس بعد استنكاره الشفاعة في المرأة المخزومية، قائلاً: "إِنَّما أَهْلَكَ الذين مِنْ قَبْلِكم أَنَّهم كانوا إِذا سَرَقَ فيهم الشَّرِيفُ تَرَكُوه، وإِذا سَرَقَ فيهم الضَّعِيفُ أقاموا عليه الحَدَّ، وايْـــمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فاطمةَ بِنْتَ محمدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَها". ألا تدرك أيها القارئ الكريم أنهم هلكوا رغم أنهم كانوا يقيمون الحدود والعقوبات، فقد كانوا يرجمون ويجلدون ويقتصون، وربما بنمط في التنفيذ أفظع مما تقضي به أحكام الشريعة الإسلامية. لماذا هلكوا إذاً؟ لا لشيء – يوضح رسولنا الكريم - إلا أنهم غيبوا المبادئ ... وهي في الحديث المساواة والعدالة. وكان حبيبنا رسول الله قد أكد على مقام المبادئ وعلوها على الأحكام قبل ذلك بسنوات في صدر بعثته الشريفة حين نصح المسلمين الأوائل بالهجرة إلى بلاد الحبشة قائلاً: ": "لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن فيها ملك لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه". لقد أثنى الرسول الكريم على ملك تلك البلاد وأهلها للمبادئ التي يتحلون بها، وإن غايروا المسلمين في أحكامهم. والثابت أنه صلى الله عليه وسلم مرت به جنازة فقام لها، فقيل له: إنه يهودي، [لقد ظن الصحابة أن مغايرة الأحكام بين الشريعتين توجب معاملة مختلفة في المبادئ]، وهنا يعلمهم الرسول الكريم درس علو المبادئ المشتركة بين الإسلام واليهودية، وكونهما احترمتا الإنسان لمجرد ثبوت هذا الوصف، قائلاً صلى الله عليه وسلم - (مستنكراً قولهم إنه يهودي) - : "أليست نفساً".

 (3)

ولنعرج على سيرة صحبه رضى الله عنهم لنشهد كيف كان لمبادئ الشريعة قوامها الراسخ في المجتمع المسلم. لقد تعجب وفد فارس عندما قدم الي المدينه وسألوا عن أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه فأشاروا اليه، فنظر، فإذا برجل يلبس ثوباً عادياً مرقعاً بأكثر من عشرين رقعه وهو يتوسد نعليه تحت رأسه وهو نائم فقال الوفد حقاً "حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر"، لقد علموا أن انتصار الإسلام عليهم وامتداده على عهد هذا الخليفة كان بالمبادئ قبل الأحكام، وقد أجملوها في قيمة العدل. وهل بقيت سيرة هذا الخليفة إلى يومنا هذا إلا لكونه قد أعلى من مبادئ الشريعة قبل الأحكام، تلك الأخيرة التي شهدت تعطلاً على يديه في شأن السرقة في عام الرمادة وجفاف أرض الحجاز أواخر السنة السابعة عشرة للهجرة؛ فلقد أدرك رضى الله عنه أن مبادئ العدالة وحرية الاختيار تأبى إعمال أحكام حد السرقة في هذا الظرف. وحين سأل عمر والياً له على أحد الأمصار ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب، وأجابه الوالي أقطع يده (اهتماماً منه بالحكم الشرعي، ناسياً مبدأ عدالة العقوبة)، أراد عمر أن يذكره بالمبادئ قبل الأحكام فقال له: إذاً فإن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسوف يقطع عمر يدك. وكم غيب التاريخ بين مهملاته أسماء مئات من حكام ديار المسلمين، كونهم غيبوا مبادئ الشريعة سنوات حكمهم، ولم يشفع لهم حرصهم على تطبيق أحكامها بين الرعية.

 ولنلتقط من الحاضر مشهداً وحجة، هل تظن حقاً أيها القارئ الكريم أن انهيار مصر وباقي الدول الإسلامية في علومها واقتصادها يرجع إلى أن أهلها محكومون بالقوانين الغربية الوضعية وتركنا شرع الله؟ إذاً فبما تفسر تقدم هذه الدول ذاتها علمياً واقتصادياً وإن تحاكموا لهذه الشرائع الوضعية؟ وبما تفسر أنك تجد إنسانيتك التي كرمك بها الله أمام عينيك كل لحظة في أراضيها، بينما تعيش سنوات في ديار المسلمين وتكاد تنسى أصلاً أنك من نسل آدم. ليس لكل هذا من تفسير عندي إلا لغياب مبادئ شرعة الإسلام عن ديار المسلمين، وإن نعمت بعض أجزاء تلك الديار بنعمة تطبيق أحكام هذه الشرعة، ذلك الغياب الذي أشعل ثورات الربيع العربي.

(4)

والمؤكد أن ثورات هذا الربيع كانت ثورات مبادئ لا ثورات أحكام، ويكفينا دليلاً أن التاريخ لن ينسى أبداً، ولن يغيب عن ذاكرة الثورة المصرية، موقف نفر من شِعب بني أحكام الذي خذل الثورة المصرية في أيامها الأولى، وكان ممن حاول إنقاذ النظام السابق قبل أن يتيقن من تهاويه فيبدأ في العزف على الموجة الأخرى. والمؤكد أيضاً أنه لم تكن الثورة على بن علي أو مبارك أو الأسد مبررها كونهم قد غيبوا أحكام الشريعة؛ فتجاهل ما تقضي به مبادئ الشريعة من عدالة ومساواة وحرية، وتأكيد سلطان تلك المبادئ على كافة أنشطة الدولة كان هو الباعث والمحرك، ولا شيء آخر. قد قالها الثوار: "عيش حرية عدالة اجتماعية"، وجميعها مبادئ. ولم يكن لينقذ عروش هؤلاء الحكام أن يخرجوا على الناس قائلين سنعلن قيام الخلافة الإسلامية وتطبيق أحكام الشريعة، كما أنه لن تفلح دولاً أخرى في تجنب رياح التغيير فيها بالتمترس خلف شعارات الحكم بالشريعة، ما لم يلمس مواطنيها مبادئ تلك الأخيرة حية بينهم.

من حق سادة شِعب بني أحكام أن يعبروا عن خشيتهم من أن يؤدي الاكتفاء بالنص على المبادئ وحدها في نص الدستور إلى تغيب الأحكام، أو أن يتحاكم الناس إلى قوانين تخالف أحكام الشريعة، بحسبان أن الدستور لم ينص على الأحكام كمصدر رئيس للتشريع. وهذا ظن من لا يعلم أن المبادئ تعلوا الأحكام، وهي القدر الذي يجب أن يهيمن على الجماعة الإنسانية في حيز جغرافي معين مهما تنوعت أو تعاقبت على هذه الجماعة الشرائع؛ فالمبادئ إلى حد ما ثابتة ومشتركة، أما الأحكام فمتغيرة ومتنوعة، ولذلك كان الدستور هو وعاء المبادئ. أما الأحكام فوعائها وموضعها القوانين العادية وليس الدساتير.

 
(5)

 وإذ أنعم الله على مصر بنعمة الإسلام فإن الأغلبية الإسلامية، المرجح تكونها داخل البرلمان القادم، هي المنوط بها أن تعمل على مسار الأحكام، وذلك بتعديل التشريعات القائمة وإصدار الجديد منها بما يتواءم مع أحكام الشريعة الإسلامية المستنبطة من الكتاب والسنة، وتحت مظلة مبادئ الشريعة الإسلامية التي رسخها الدستور.

وفي الوقت الذي يناط فيه بأجهزة السلطة التنفيذية العمل على تأمين إعمال مبادئ الشريعة التي أصبحت جزءاً من دستور الدولة في كافة أنشطتها (تعيينات – رواتب – برامج التنمية – إدارة الملكية العامة – توزيع الثروة – حقوق الأقليات...الخ)؛ فإن نشاط السلطتين التشريعية والتنفيذية سوف يخضع لرقابة السلطة القضائية التي لها إهدار القيمة القانونية للتشريع (رقابة الدستورية)، أو لعمل السلطة التنفيذية (رقابة المشروعية)، حين ينشأ تصادم مع مبدأ من مبادئ الشريعة الإسلامية.

ونستطيع أن نجمل فنقول أن العلاقة بين المبادئ والأحكام في سنوات مصر القادمة هي كالوجبة التي توضع على مائدة واحدة، ولكنها تفرغ في أطباق مختلفة. فالمنشود أن يعظم الدستور الجديد من فكرة مبادئ الشريعة الإسلامية، وهي بالأساس أمل مصر في نهضتها، بينما يُأمل أن ترتدي القوانين العادية ثوب الأحكام الشرعية وفق ما ورد بالكتاب والسنة المطهرة، وإلا فوفق المجمع عليه فقهاً، وإلا فتبعاً للراجح لدى جمهور الفقهاء، أو الأيسر من أرائهم بحسب حال عموم المصريين.

يبقى التأكيد على أنه ليس من شأن الاكتفاء في الدستور الجديد بالنص على مبادئ الشريعة الإسلامية، أي مقاصد الأخيرة الكلية، أن ينفتح باب الهوى في تأويلها أو رسمها وفق منطق غربي يقوم على إطلاقها من عقالها وجعلها حرة من كل قيد. فهي مبادئ نعم، ولكنها مبادئ الشريعة الإسلامية؛ أي مقاصدها الكلية بالفهم الإسلامي للحرية وللمساواة وللعدالة وللتسامح ... الخ، ذلك الفهم الذي لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً. فلا يجب أن يصيبن الوسواس سادة شَعب بني أحكام ظناً منهم أن النص على المبادئ سيصبح باباً للتفلت من الأحكام، فيسمح بالحرية الجنسية، والمساواة في الميراث، ويسمح بالزواج بين المثليين، إلى آخر تلك التخرصات، التي لا يقول بها مسلم يؤمن بالله ورسوله. إنها مبادئ الشريعة الإسلامية التي كشفت عنها السيرة العطرة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنبئت عنها كذلك سير الصحابة رضى الله عنهم أجمعين. ويكفي أن تؤكد الأعمال التحضيرية للجمعية التأسيسية على هذا الفهم لتزول كل التخوفات.

يا ربابنة السفينة، خرج المصريون ثواراً من أجل المبادئ، فأعطوهم إياها في دستورهم، ولتسعد الأمة من بعد ذلك بالأحكام الشرعية في قوانينها.

  
(*) أستاذ القانون الجنائي المساعد – كلية الحقوق جامعة المنصورة

     وكلية الحقوق والعلوم السياسية – جامعة الملك سعود         

          الرياض: الأحد 28/10/2012م.

 

 

الجمعة، 20 مايو 2011

قال الفضيل بن عياض لرجل : كم أتت عليك ؟ أي كم بلغت من العمر
قال الرجل : ستون سنة

قال : فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك ، توشك أن تَبْلُغ

فقال الرجل : يا أبا علي ! إنا لله وإنا إليه راجعون

قال له الفضيل : تعلم ما تقول ؟

قال الرجل : قلتُ إنا لله وإنا إليه راجعون

قال الفضيل : تعلم ما تفسيره ؟

قال الرجل : فَسِّرْه لنا يا أبا علي

قال : قولك إنا لله تقول أنا لله عَبْدٌ ، وأنا إلى الله راجع ، فمن عَلِم أنه عَبْد الله وأنه إليه راجع فليعلم بأنه موقوف ، ومن عَلِم بأنه موقوف ، فليعلم بأنه مسئول ، ومن عَلِم أنه مسئول فليعد للسؤال جوابا

فقال الرجل : فما الحيلة ؟

قال : يسيره

قال الرجل : ما هي ؟

قال تُحسِن فيما بقي يغفر لك ما مضى وما بقي . فإنك إن أسأت فيما بقي أُخِذتَ بما مضى وما بقي.
منقول

الخميس، 19 مايو 2011

سيد الاستغفار

اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علىّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.