صراع
المبادئ والأحكام في الدستور الجديد
د.أحمد لطفي السيد مرعي*
عَظم الخلاف بين ربابنة السفينة المصرية داخل قمرة القيادة، المسماة بالجمعية
التأسيسية للدستور، وانقسموا إلى شِعبين (بكسر الشين): شِعب بني مبادئ، وشِعب بني
أحكام، وصار بينهم من الصراع ما قد يخلق مشهداً جديداً لبلال الحبشي في القرن
الحادي والعشرين، ويمثله المواطن المصري الذي تنهال فوقه رأسه المقالات وبرامج
التوك شو، يدفعونه سادة كل فريق إلى أن ينتهج منهجهم؛ فيخاطبه جمع قائلين له: ارجع
إلى أحكام الشريعة، وهو يوجه أصبع السبابة في وجوههم قائلاً بل مبادئ مبادئ الشريعة،
ويدعوه جمع أخر قائلين له: ارجع إلى مبادئ الشريعة، وهو بذات السبابة يشير ويقول أبداً،
بل أحكام أحكام الشريعة.
والحق أنه لا صراع واجب بين المبادئ والأحكام في ميدان الشريعة، هكذا يجب
أن يفهم سادة الشِعبين؛ فكلاهما مكمَّل ومجمَّل للآخر؛ بل أزعم أن بقاء الأحكام الشرعية
وسلامتها يتوقف على المبادئ والمقاصد الكلية لها التي رسختها هذه الشرعة المباركة،
وأن أحكام بغير مقاصد ومبادئ كلية مهلكة. وهكذا أنحاز فكرياً من ناحيتي لأنصار
الاكتفاء بالنص على مبادئ الشريعة الإسلامية ومقاصدها الكلية في الدستور الجديد.
ولكن ما علة ذلك؟
دعوني في سبيل كشف العلة أن أطرح التساؤل التالي: هل تتقدم الأمم بالأحكام
أم بالمبادئ؟ أظن أن رفعة الأمم في علمها
واقتصادها لو كانت تتوقف على شرائعها وما تضمنته من أحكام، لكان أقرب إلى هذا
التقدم في عصرنا الحالي تلك الدول يجري سن قوانينها وفق أحكام الشريعة الإسلامية،
بينما كان على أوروبا وأمريكا أن تقبعا في ذيل الأمم، وأن لا علواً في الأرض يشاهد
لدول الملاحدة من عباد بوذا أو البقر. ولكن لماذا الأمر ليس كذلك؟ ... بيت الداء
في رأي – وقد أكون مخطئاً – يكمن في أن الأولى تشهد تراجعاً في المقاصد الكلية وقيم
ومبادئ شريعتها (الشريعة الإسلامية)، وأخصها العدالة والمساواة والحرية، حتى ضربهم
الله بقلة العمل وعدم اتقانه، كل هذا رغم أن كافة أجهزة تلك الدول – فضلاً عن
دستورها - تعزف نغمة واحدة مفادها أنك في دولة "دستورها القرآن والسنة"،
بينما لا تجد من هذا القرآن وهذه السنة واقعاً ينبض بالحياة إلا كثير أحكام (وبخاصة
بابا العقيدة والعبادات)، في الوقت الذي تتضاءل أمام عينيك القرائن المؤكدة لشيوع
مبادئ الشريعة في ممارسات السلطة وإدارتها شؤون الجماعة (إلا لدى ما رحم ربي). وكل
ذلك نقيض ما يحصل في بلدان الصنف الثاني؛ فلن يصعب عليك في تلك البلاد أن تجد من
الأدلة القطعية العملية ما يبرهن على أن هذه الأمم قد أقامت عمد دولها على جملة من
المبادئ العامة التي صاغتها الإنسانية عبر مراحل تمدنها، تتشربها قلوب وعقول مواطنيها،
وتترسخ في دساتيرها، ثم تشاهد في أرض الواقع خلال ممارسات سلطة الدولة وتسيرها
شؤون العامة؛ كل ذلك رغم اختلاف هذه المجتمعات عن ديارنا عقيدةً وأحكاماً. ولقد
علمنا حين عشنا في كلا الصنفين من البلدان أن الشيخ محمد عبده لم يكن مبالغاً حين
قال بعد زيارته أوروبا: "رأيت إسلاماً ولم أجد مسلمين"؛ فهل رآه بمنظار الأحكام؟
أم بمنظار المبادئ؟ وهل عاب ديارنا لنقيصة في أحكام شرعتها، أم لغياب مبادئها عن
الواقع المعاش؟ لاشك أن موطن الداء يكمن في تراجع مبادئ الشريعة الإسلامية،
ولاسيما في علاقة السلطة بالفرد.
(2)
وحين كانت هذه المبادئ حية في القلوب وواقعاً معاشاً ويدركه حكام المسلمين
فتحوا مشارق الأرض ومغاربها، فهل يا ترى بلغ المسلمون الأوائل – وهم حينها أهل
السلطة الجدد في البلاد المفتوحة – هذا الحظ من التمكين بأحكام الإسلام أم
بمبادئه؟ من المؤكد عندي أن مبادئ الشريعة الإسلامية تتصدر أسباب هذا التسيد، ولا
عجب أن تكون كثير من هذه الفتوحات بغير قتال حين شهد أهل البلاد كيف أن حكامهم
الجدد من المسلمين قد نشروا في البلاد المفتوحة فضائل العدل والمساواة والتسامح
والحرية؛ فهي مكارم الإسلام وأخلاقه، وهل بُعث نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم
إلا ليتمم مكارم الأخلاق، كما جاء في الحديث. ولهذا لا أتعجب حين أعلم أن أحكام
الإسلام تسمح بإقامة الأسرة بين مسلم وأخرى من أهل الكتاب رغم ما بين ديانتهما من
اختلاف في الأحكام؛ فالإسلام يعطى القاسم المشترك من المبادئ والأخلاق أولوية
وعناية.
ولنبق قليلاً أيضاً مع سيدنا رسول الله لنوضح فكرتنا؛ ماذا كان يقصد سيدنا
رسول الله، حين خطب الناس بعد استنكاره الشفاعة في المرأة المخزومية، قائلاً: "إِنَّما
أَهْلَكَ الذين مِنْ قَبْلِكم أَنَّهم كانوا إِذا سَرَقَ فيهم الشَّرِيفُ
تَرَكُوه، وإِذا سَرَقَ فيهم الضَّعِيفُ أقاموا عليه الحَدَّ، وايْـــمُ اللَّهِ
لَوْ أَنَّ فاطمةَ بِنْتَ محمدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَها". ألا تدرك أيها
القارئ الكريم أنهم هلكوا رغم أنهم كانوا يقيمون الحدود والعقوبات، فقد كانوا
يرجمون ويجلدون ويقتصون، وربما بنمط في التنفيذ أفظع مما تقضي به أحكام الشريعة
الإسلامية. لماذا هلكوا إذاً؟ لا لشيء – يوضح رسولنا الكريم - إلا أنهم غيبوا
المبادئ ... وهي في الحديث المساواة والعدالة. وكان حبيبنا رسول الله قد أكد على
مقام المبادئ وعلوها على الأحكام قبل ذلك بسنوات في صدر بعثته الشريفة حين نصح
المسلمين الأوائل بالهجرة إلى بلاد الحبشة قائلاً: ": "لو خرجتم إلى أرض
الحبشة، فإن فيها ملك لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجاً
مما أنتم فيه". لقد أثنى الرسول الكريم على ملك تلك البلاد وأهلها للمبادئ التي
يتحلون بها، وإن غايروا المسلمين في أحكامهم. والثابت أنه صلى الله عليه وسلم مرت
به جنازة فقام لها، فقيل له: إنه يهودي، [لقد ظن الصحابة أن مغايرة الأحكام بين
الشريعتين توجب معاملة مختلفة في المبادئ]، وهنا يعلمهم الرسول الكريم درس علو المبادئ
المشتركة بين الإسلام واليهودية، وكونهما احترمتا الإنسان لمجرد ثبوت هذا الوصف، قائلاً
صلى الله عليه وسلم - (مستنكراً قولهم إنه يهودي) - : "أليست نفساً".
ولنعرج على سيرة صحبه رضى الله عنهم لنشهد كيف كان لمبادئ الشريعة قوامها
الراسخ في المجتمع المسلم. لقد تعجب وفد فارس عندما قدم الي المدينه وسألوا عن أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه فأشاروا اليه، فنظر، فإذا برجل يلبس ثوباً عادياً مرقعاً بأكثر من عشرين رقعه وهو يتوسد نعليه تحت رأسه وهو نائم فقال الوفد حقاً "حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر"، لقد علموا أن انتصار
الإسلام عليهم وامتداده على عهد هذا الخليفة كان بالمبادئ قبل الأحكام، وقد
أجملوها في قيمة العدل. وهل بقيت سيرة هذا الخليفة إلى يومنا هذا إلا لكونه قد
أعلى من مبادئ الشريعة قبل الأحكام، تلك الأخيرة التي شهدت تعطلاً على يديه في شأن
السرقة في عام الرمادة وجفاف أرض الحجاز أواخر السنة السابعة عشرة للهجرة؛ فلقد
أدرك رضى الله عنه أن مبادئ العدالة وحرية الاختيار تأبى إعمال أحكام حد السرقة في
هذا الظرف. وحين سأل عمر والياً له على أحد الأمصار ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب، وأجابه
الوالي أقطع يده (اهتماماً منه بالحكم الشرعي، ناسياً مبدأ عدالة
العقوبة)، أراد عمر أن يذكره بالمبادئ قبل الأحكام فقال له: إذاً فإن جاءني من رعيتك
من هو جائع أو عاطل فسوف يقطع عمر يدك. وكم غيب التاريخ بين مهملاته أسماء مئات من حكام ديار المسلمين، كونهم
غيبوا مبادئ الشريعة سنوات حكمهم، ولم يشفع لهم حرصهم على تطبيق أحكامها بين
الرعية.
ولنلتقط من الحاضر مشهداً
وحجة، هل تظن حقاً أيها القارئ الكريم أن انهيار مصر وباقي الدول الإسلامية في
علومها واقتصادها يرجع إلى أن أهلها محكومون بالقوانين الغربية الوضعية وتركنا شرع
الله؟ إذاً فبما تفسر تقدم هذه الدول ذاتها علمياً واقتصادياً وإن تحاكموا لهذه
الشرائع الوضعية؟ وبما تفسر أنك تجد إنسانيتك التي كرمك بها الله أمام عينيك كل
لحظة في أراضيها، بينما تعيش سنوات في ديار المسلمين وتكاد تنسى أصلاً أنك من نسل
آدم. ليس لكل هذا من تفسير عندي إلا لغياب مبادئ شرعة الإسلام عن ديار المسلمين،
وإن نعمت بعض أجزاء تلك الديار بنعمة تطبيق أحكام هذه الشرعة، ذلك الغياب الذي
أشعل ثورات الربيع العربي.
(4)
والمؤكد أن ثورات هذا الربيع كانت ثورات مبادئ لا ثورات أحكام، ويكفينا
دليلاً أن التاريخ لن ينسى أبداً، ولن يغيب عن ذاكرة الثورة المصرية، موقف نفر من
شِعب بني أحكام الذي خذل الثورة المصرية في أيامها الأولى، وكان ممن حاول إنقاذ
النظام السابق قبل أن يتيقن من تهاويه فيبدأ في العزف على الموجة الأخرى. والمؤكد أيضاً
أنه لم تكن الثورة على بن علي أو مبارك أو الأسد مبررها كونهم قد غيبوا أحكام
الشريعة؛ فتجاهل ما تقضي به مبادئ الشريعة من عدالة ومساواة وحرية، وتأكيد سلطان
تلك المبادئ على كافة أنشطة الدولة كان هو الباعث والمحرك، ولا شيء آخر. قد قالها
الثوار: "عيش حرية عدالة اجتماعية"، وجميعها مبادئ. ولم يكن لينقذ عروش
هؤلاء الحكام أن يخرجوا على الناس قائلين سنعلن قيام الخلافة الإسلامية وتطبيق
أحكام الشريعة، كما أنه لن تفلح دولاً أخرى في تجنب رياح التغيير فيها بالتمترس
خلف شعارات الحكم بالشريعة، ما لم يلمس مواطنيها مبادئ تلك الأخيرة حية بينهم.
من حق سادة شِعب بني أحكام أن يعبروا عن خشيتهم من أن يؤدي الاكتفاء بالنص
على المبادئ وحدها في نص الدستور إلى تغيب الأحكام، أو أن يتحاكم الناس إلى قوانين
تخالف أحكام الشريعة، بحسبان أن الدستور لم ينص على الأحكام كمصدر رئيس للتشريع. وهذا
ظن من لا يعلم أن المبادئ تعلوا الأحكام، وهي القدر الذي يجب أن يهيمن على الجماعة
الإنسانية في حيز جغرافي معين مهما تنوعت أو تعاقبت على هذه الجماعة الشرائع؛
فالمبادئ إلى حد ما ثابتة ومشتركة، أما الأحكام فمتغيرة ومتنوعة، ولذلك كان
الدستور هو وعاء المبادئ. أما الأحكام فوعائها وموضعها القوانين العادية وليس
الدساتير.
(5)
وفي الوقت الذي يناط فيه بأجهزة السلطة التنفيذية العمل على تأمين إعمال
مبادئ الشريعة التي أصبحت جزءاً من دستور الدولة في كافة أنشطتها (تعيينات – رواتب
– برامج التنمية – إدارة الملكية العامة – توزيع الثروة – حقوق الأقليات...الخ)؛
فإن نشاط السلطتين التشريعية والتنفيذية سوف يخضع لرقابة السلطة القضائية التي لها
إهدار القيمة القانونية للتشريع (رقابة الدستورية)، أو لعمل السلطة التنفيذية
(رقابة المشروعية)، حين ينشأ تصادم مع مبدأ من مبادئ الشريعة الإسلامية.
ونستطيع أن نجمل فنقول أن العلاقة بين المبادئ والأحكام في سنوات مصر
القادمة هي كالوجبة التي توضع على مائدة واحدة، ولكنها تفرغ في أطباق مختلفة. فالمنشود
أن يعظم الدستور الجديد من فكرة مبادئ الشريعة الإسلامية، وهي بالأساس أمل مصر في
نهضتها، بينما يُأمل أن ترتدي القوانين العادية ثوب الأحكام الشرعية وفق ما ورد
بالكتاب والسنة المطهرة، وإلا فوفق المجمع عليه فقهاً، وإلا فتبعاً للراجح لدى
جمهور الفقهاء، أو الأيسر من أرائهم بحسب حال عموم المصريين.
يبقى التأكيد على أنه ليس من شأن الاكتفاء في الدستور الجديد بالنص على مبادئ
الشريعة الإسلامية، أي مقاصد الأخيرة الكلية، أن ينفتح باب الهوى في تأويلها أو
رسمها وفق منطق غربي يقوم على إطلاقها من عقالها وجعلها حرة من كل قيد. فهي مبادئ
نعم، ولكنها مبادئ الشريعة الإسلامية؛ أي مقاصدها الكلية بالفهم الإسلامي للحرية
وللمساواة وللعدالة وللتسامح ... الخ، ذلك الفهم الذي لا يحل حراماً ولا يحرم
حلالاً. فلا يجب أن يصيبن الوسواس سادة شَعب بني أحكام ظناً منهم أن النص على
المبادئ سيصبح باباً للتفلت من الأحكام، فيسمح بالحرية الجنسية، والمساواة في
الميراث، ويسمح بالزواج بين المثليين، إلى آخر تلك التخرصات، التي لا يقول بها
مسلم يؤمن بالله ورسوله. إنها مبادئ الشريعة الإسلامية التي كشفت عنها السيرة
العطرة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنبئت عنها كذلك سير الصحابة رضى
الله عنهم أجمعين. ويكفي أن تؤكد الأعمال التحضيرية للجمعية التأسيسية على هذا
الفهم لتزول كل التخوفات.
يا ربابنة السفينة، خرج المصريون ثواراً من أجل المبادئ، فأعطوهم إياها في
دستورهم، ولتسعد الأمة من بعد ذلك بالأحكام الشرعية في قوانينها.
وكلية الحقوق والعلوم السياسية – جامعة الملك سعود
الرياض: الأحد 28/10/2012م.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق