الأربعاء، 31 أكتوبر 2012


   إن الحكم إلا لله ... نعم ... ولكن بالقانون  



 
د. أحمد لطفي السيد مرعي* 

 
(1)

القانون هو سيف الشريعة المعاصر، وكما لا يمكن لعاقل أن يدخل حرباً في عصرناً الحالي متسلحاً فقط بالسيف والخيل والسهام، بدعوى أنها كانت أداة السلف في حروبهم، فإن أقول بالمثل أنه لا يمكن لراغب بحق في إنفاذ الأحكام الشرعية المنظمة لمعاملات الأفراد وعلاقتهم ببعضهم البعض (باعتبار أن هذه المعاملات هي محل التنازع أمام الجهات القضائية، خلافاً لأمور الاعتقاد أو العبادات أو الأخلاق، التي محلها ساحات الفتوى) أن يترك هذه الأحكام أسيرة كتب الفقه الشرعي معتقداً أنها تصلح أن تكون بذات حالها هذا أداة تنظيم معاصر لتلك المعاملات؛ فالحق أنها على حال من التفاوت والتنوع بحسب الرؤى الفقهية في المسألة الواحدة، واختلاف كل فقيه – وربما حتى مع تلاميذه - في فهم الآية الواحدة أو الحديث الواحد أو في تحديد المصادر المعتبرة لاستنباط الحكم الشرعي، الأمر الذي يجعل التحاكم إليها في ساحات القضاء أمر عسير ويثقل كاهل القضاة بعبء استخلاص الحكم الشرعي من بين مئات الكتب في المذهب الواحد. وليس من سبيل لأن يصبح التحاكم لشرعة الله واقعاً بين الناس في خصوماتهم إلا بإفراغ أحكام تلك الشرعة في جانب المعاملات في قالب قانوني مما تتعارف عليه النظم القانونية التي تسود عالمنا المعاصر، بما يمكن أحياناً من الأخذ عند صناعة التشريع بالحلول التي ذهبت إليها الأنظمة المقارنة طالما أنها لا تتصادم مع صريح القرآن أو السنة أو إجماع علماء الأمة. وهكذا يصبح القانون أداة توفيقية بين اتجاه التراثيين Traditionalists الذين يقفون بالأحكام الشرعية المتعلقة بالمعاملات عند حد الإرث المتجزر في كتب الفقه، وبين رؤى الحداثيين Modernists الذين يستخدمون القانون كجسر تعبر من خلاله الحلول القانونية المعاصرة من الفقه الغربي إلى التشريع الوطني. زعلان إنته من الكلمتين دول؟ طب خليك معايا شوية، متخفش، مش هخليك تخرج على أحكام الشريعة، وبالقانون.

دعونا نبدأ من تساؤل هل يتعارض القانون مع الشريعة؟ أسمع أحد المتشنجين يقول طبعاً، الشريعة هي أوامر الله ونواهيه، أما القانون فهو صنع البشر، أو ما يسميه العامة جهلاً منهم بمعنى التسمية "قانون وضعي Positive Law". إذا كان الأمر كذلك فما رأيك في نص المادة الأولى من قانون العقوبات الإتحادي لدولة الإمارات العربية المتحدة رقم 3 لسنة 1987 الوارد نصها: "تسري في شأن جرائم الحدود والقصاص والدية أحكام الشريعة الإسلامية، وتحدد الجرائم والعقوبات التعزيرية وفق أحكام هذا القانون والقوانين العقابية الأخرى".

تفهم إيه من النص ده؟ أولاً نفهم إن فيه أجزاء في معاملات الناس قد لا تغطيها الشريعة، فيترك أمر تنظيمها بقانون. ومنها مثلاً وفق المثال السابق الجرائم التعزيرية، وهي أفعال لا حد فيها ولا قصاص ولا كفارة، ويترك أمر تحديد أحكامها العقابية لولاة الأمر (السلطة التشريعية بالمفهوم المعاصر). ثانياً نفهم إن الجزء الخاص مثلاً بالحدود والقصاص والديات متروك لحكم الشريعة. هنا بقى مربط الفرس.


(2)

تقدر تقلي حضرتك ماذا تقول أحكام الشريعة في هذا الشأن؟ وقبل ما تفتح فمك بالكلام، أحب أسألك، هترد بالكلام الموجود في أي كتاب من كتب الفقه؟ أصل الكتب والمذاهب في المسألة الواحدة من هذه المسائل محل خلاف واجتهاد كبير. وهذا في شأن أقدس ما قد يرد على ذهن البعض من أحكام الشريعة، وهو باب الجرائم من حدود وقصاص، فما بالك بتنوع الخلاف في أبواب العقود والمعاملات المالية والأحوال الشخصية.

تقدر تقول لي النصوص الشرعية في شأن هذه الجرائم هل ستطبق على المسلم والذمي والمستأمن في مصر أم على المسلم وحده؟ الأمر فيه خلاف بين المذاهب، بل وداخل المذهب الواحد. طب ماذا بشأن الجرائم التي يرتكبها المصري في الخارج، وبخاصة الحدود؟ هل سيعاقب عليها ولو لم يعد إلى مصر، باعتبار أن الشريعة في أصلها عالمية التطبيق، أم يتعين انتظار عودته إلى مصر، باعتبار أن واقع الشريعة إقليمي التطبيق؟ الأمر فيه خلاف وشرحه يطول. تقدر تقولي مثلاً لما هنروح عند القاضي في جريمة سرقة، مين إللي يقول إنها سرقة حدية توجب القطع، أو أنها سرقة تعزيرية توجب التعزير فقط بالجلد أو بالسجن وبالمال...الخ، يعني مين هيحدد شروط كل نوع من السرقة؟ فنصاب القطع محل خلاف، ومفهوم الحرز محل خلاف. طب قال القاضي إنها سرقة تعزيرية، يجلد بقى كام جلدة؟ وكيف يتم الجلد؟  ولا سجن كام يوم؟ ولا كام سنة؟ ولا غرامة قد إيه؟ إن قلت القاضي يحدد، طب يحدد على أي مذهب؟ نسيبها ميغة يعني؟ طب لما يقطع، يقطع فين؟ مستشفى مثلاً؟ ويقطع إيه؟ الأيدي؟ طب يمين ولا شمال؟ يمين، طيب وإللي ملوش يمين؟ يروح للشمال أم للأرجل؟ وأي رجل؟ طب وإللي اتقطع له مرة ولا مرتين، نقطع له في الثالثة رجل ولا نسيبه؟ كثير من هذا مختلف عليه بين الفقهاء لدرجة أنك تكاد لا تجد شيء مجمع عليه.

طب قولي فهمت إيه من الآية الكريمة: "إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ" [المائدة، الآية 33]. تقدر تقولي الآية قالت لك مين هو المحارب؟ أو ما هي شروط جريمة الحرابة؟ أبداً، وكل فقيه ورأيه. إحنا بقى لما نروح للقاضي علشان يطبق أحكام الشريعة إللي ساعدتك مفكر إنه بجرة قلم هتطبق، ياخد بأي رأي يعني؟ مثلاً إللي يقطع طريق ويعطل المواصلات هنعتبره محارب ومفسد في الأرض، يقتل أو يصلب أو تقطع أيديه وأرجله من خلاف أو ينفى من الأرض؟ وإللي يتحرش جنسياً هيكون محارب؟، إللي يعمل أفلام فيها مشاهد خارجة هنعتبره محارب؟، أم فقط من يخرج لأخذ مال الغير بالقوة وعلى سبيل المغالبة في مكان يتعذر فيه الغوث؟ طب ممكن نجمع بين العقوبات دي؟ طب العقوبات دي على الترتيب أم على التخيير؟ طب كيف يصلب المحكوم عليه؟ حي ويترك ليموت؟ أم يقتل ثم يصلب مقتولاً؟ قول لي؟ صعب تقول لي، ومش إنته إللي تختار لي، ولو كنت أفقه علماء الشريعة، ما ينتهي إليه البرلمان في صورة قانون فقط هو إللي يقول ويرجح بين الآراء.


(3)

بلاش دا كله، أسألك هيه إيه الحدود؟ الردة حد أم لا؟ بتزعق وتقول حد؟ طب هو كل الفقهاء قالوا حد؟ سكت ليه؟ لازم تعرف إن مش كل الفقهاء متفقين على كده؛ فهناك من يقول أنها جريمة تعزيرية فقط، وهناك من يقول لا حد إلا بخصوص الردة الجماعية، بل هناك من ذهب إلى أنه لا يوجد حد ردة أصلاً في الإسلام؟ ولكل رأي حججه، هناخذ بقى بأي الآراء؟ طب ولو قلنا إنها حد، هنترك له فترة استتابه قد إيه؟ طب إيه رأيك في رأي من قال يستتاب المرتد أبداً؟ يعني إلى أن يموت. طب وماذا عن ردة المرأة؟ هل تقتل هي الأخرى لردتها؟ طب والرأي إللي بيقول إن المرأة المرتدة لا تقتل هنرميه البحر؟ شرب الخمر حد أم لا؟ بتزعق وتقول حد، طب وإيه رأيك في من رأي أنها ليست حداً؟ يكون كفر يعني بأحكام الشريعة، أم اختلف فيها؟ طب ومين يفصل في الخلاف. المفتي مثلاً؟ طب الفتوى لا تلزم إلا صاحبها، إزاي هنلزم بيها القاضي؟ بتقول وزير العدل ولا مجلس القضاء يقول للقضاة بالرأي إللي عاوزينه؟ يا حبيبي لا الوزير ولا مجلس القضاء يقدر يتدخل في عمل القاضي ويفرض عليه رأي. أقولك مين إللي ممكن يفرض على القاضي رأي؟ هوا القانون مفيش غيره، إللي بيعمله البرلمان وفق النظم المعاصرة. شفت بقى معرفناش نطبق أحكام الشريعة إلا من خلال القانون إزاي؟ وفي رأيك بقى ده يبقى قانون بتاع ربنا، ولا بتاع البشر الوضعي الكخة؟

طب يعني إيه قصاص؟ هتقول لي يعني القاتل يقتل. شاطر، حافظ يا واد، بس للأسف مش فاهم. تقدر تقولي لما مسلم هيقتل مسيحي، هنعمل فيه إيه؟ هناخذ بالرأي إللي بيقول لا يقتل المسلم بكافر، ولا بالرأي إللي بيقول الكل سواء؟ مين إللي هيقول؟ طب لما رجل يقتل إمرأة، هنعمل إيه؟ هنساوي بينهم، ولا هنمنع القصاص؟ طب هنقتص إزاي؟ بالسيف ولا بمشنقة ولا بكرسي كهربا ولا بحقنة سم ولا ماذا؟ هتقول لي برضه القاضي يحدد، طب وإذا كل محكمة خدت برأي نعمل إيه؟ نوحدهم إزاااااااي؟ أيوه شاطر، بالقانون. وده بقى يبقى قانون رباني، ولا قانون من بتوع العلمانين والليبراللين بتوع القانون الفرنسي ولا الانجليزي ولا معرفش إيه الكخة الوحش؟ وأنا لن أكلمك عن كثير من الأمور التي ربما لم يرد في كتب فقهاء المسلمين عنها شيء بشأن الجرائم والعقوبات أو بشأن الإجراءات الجنائية (بحكم تخصصي) والتي ستكون من خلق بشري صرف. شايفك زعلان من الكلمة الأخيرة دي؟ متزعلش، ما هو ربنا سبحانه وتعالى أعلم بخلقه وأرحم بهم، فترك لهم مساحة اجتهاد في ما لا نص صريح فيه من قرآن أو سنة، قولي بقى المساحة دي هتتنظم إزاي؟ جدع، بدأت تيجي معايا أهو، بالقاننننننون.

وهكذا الحال في كثير من مناحي الحياة التي سكتت الشريعة عن الاتيان بتفصيلاتها، أو ربما بيان أحكامها من الأساس، مثل قوانين الضرائب، الجمارك، المرور، البيئة، البناء والتشييد، الأسلحة، المخدرات، حماية المستهلك، تنظيم المنافسة، الشركات، المناقصات والمزايدات، الملاحة الجوية والبحرية، المرافعات، العمل، الوظيفة العامة، السلطة القضائية، الأنشطة الرياضة، تنظيم المهن الحرة، الجمعيات الأهلية، تنظيم المؤسسات المالية، تنظيم الانتخابات، شؤون الأحزاب، مباشرة الحقوق السياسية، تنظيم المؤسسات التعليمية، سوق الأوراق المالية، التحكيم التجاري، أحكام الجنسية، الملكية الفكرية والصناعية، الجرائم التعزيرية، ناهيك عن الموضوعات المرتبطة بالعلاقات الدولية والاتفاقيات المنظمة لها، وغيرها الآلاف المؤلفة من القوانين التي يدرس طالب الحقوق بعضاً منها ثم ينطلق في حياته المهنية ليعمل على إنفاذ أحكام كافة القوانين بحسب ما يعرض عليه من مسائل وقضايا. قول لي، دي تبقى قوانين شرعية، ولا قوانين بشرية؟ نتركها ولا ناخد بيها؟ ولو حبينا ناخد بيها، ممكن نشوف البشر إللي زينا نظموها إزاي ونعمل زيهم، ولا ده يبقى حرام لأنهم علمانيين وحشيين؟ أجيبك أنا إنها (أي هذه القوانين) بالطبع بشرية، ويجب الأخذ بها، والإطلاع على تجارب الآخرين في ذلك عند سنها، مثلها مثل سيارتك الكورية، أو لعبة طفلك الصينية، وبدلتك الفرنسية، وحذائك الإيطالي، وخادمتك الفيليبينية، أيها المسلم. فإن قلت علينا ترك هذه القوانين لأنها تحمل مفاهيم العلمانيين والملاحدة، فعليك التخلي عن سيارتك، ورمي لعبة طفلك، وخلع بدلتك وحذائك، وترحيل خادمتك. وإياك أسمعك مثلاً بتسأل هيا الأجازة الاعتيادية للموظف كام يوم؟ ولا أعمل إيه مع المستأجر إللي مماطل في الأجرة؟ إزاي أخرجه من السكن؟ ولا مكافأة نهاية خدمتي مختهاش أعمل إيه؟، ولا فصلوني ظلم أعمل إيه؟ ولا رابطين عليا ضريبة أرباح عاليه قوي وظلم أعمل إيه؟ ولا أعمل إيه مع إللي رافضين يرخصوا ليا المخبز مع إني كل الشروط إللي طالبنها متحققة فيا؟ ولا إلحقوني أخدوا ابني امبارح ظلم في قضية بانجو؟ ولا أحفظ حقوق الملكية الفكرية لاختراعي الجديد إزاي؟ ولا أعمل إيه في فلوسي إللي كانت عند واحد بيستثمرها ليا وخدها وهرب؟ لأني ساعتها هقولك روح افتح المصحف أو الصحيحين وابحث عن الإجابة، أو اتصل بإحدى الفضائيات الدينية جايز الشيخ يدلك. وهذا ليس نقص في القرآن المجموع بين دفتي المصحف، ولا في السنة المجموعة في الصحيحين، وإنما هو قصور في فهم البعض الذي لا يدرك أن تفاصيل الأحكام الشرعية هي محض جهد بشري يرتكن إلى الموجهات العامة في القرآن والسنة.
 

(4)


وأظنك توافقني الرأي الآن أن نص المادة الأولى من قانون العقوبات الإماراتي حين تكلمت عن أحكام الشريعة هكذا في عبارة شاملة فإنها لم تفد في شيء، بل أحسبها (ولعلي مخطئ) قد وضعت لدغدغة المشاعر حتى لا يقال عن القانون أنه ترك تحكيم الشريعة وتثور ثورة الثائرين، لهذا وضعوا نصاً في أول القانون يريح وينزع الفتيل. تحبوا بقى نحط ليكم نص كهذا وفقط، أم نكون ممن يحترم شريعته ويعطيها القدر اللائق بها؟

إن أحببتم أن نكون من هذا الصنف الثاني فعلينا أن نتخير من الآراء الشرعية ما يناسب مجتمعنا طالما كانت آراءً شرعيةً معتبرة فنفرغها بالتفصيل في صورة قوانين بالأسلوب المعاصر للتحاكم. إنه تحاكم بالقانون الذي وضعه البشر من حيث الظاهر فقط، ولكنه في جوهرة تحاكم إلى شرع الله، الذي جرى على لسان فقيه أو أكثر من علماء المسلمين الثقات، أو ظهر في قول أهل القانون المعاصرين، في ما لم يعرض من نوازل على الفقهاء الأوائل. وهكذا فعل مثلاً المشرع اليمني الذي أفرع بالتفصيل جرائم الحدود والقصاص والديات في القانون رقم 12 لسنة 1994 والمسمى قانون الجرائم والعقوبات، مرجحاً من الآراء الشرعية ما يناسب البيئة اليمنية، وأيضاً تبنى آراء القانونين المعاصرين في ما لا يتصادم مع حكم شرعي؛ إنه تحاكم لشرع الله في قالب معاصر. ولو كان يدرك المشرع اليمني أن نصوص الشريعة قابلة للتطبيق ذاتياً أو فيها من التفصيل ما يمكن من تطبيقها دون حاجة إلى قانون لما أصدر هذا القانون المفصل للأحكام والمرجح بين الآراء، الذي يحترم التطور المعاصر للفصل بين السلطات، والذي ينقل آلية الاجتهاد في خلق الحكم الشرعي من السلطة القضائية – على نحو ما كان سائداً خلال سنوات طوال من حياة الخلافة الإسلامية - إلى السلطة التشريعية كما تعرفها النظم العاصرة.

والأمر ذاته يتعين إعماله بشأن المعاملات المالية والأحوال الشخصية، والتي يحكمها بالأساس فرع القانون المدني. وإذا كانت المادة الأولى من القانون المدني المصري الصادر بالقانون رقم  131 لسنة 1948 تنص على أنه: "(1) تسري النصوص التشريعية على جميع المسائل التي تتناولها هذه النصوص في لفظها أو في فحواها. (2) فإذا لم يوجد نص تشريعي يمكن تطبيقه، حكم القاضي بمقتضى العرف، فإذا لم يوجد، فبمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية ، فإذا لم توجد، فبمقتضى مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة"؛ فإن النص لا يتضمن أمراً بالتحاكم إلى القوانين التي تخالف الشريعة الإسلامية في هذا الصنف من المعاملات؛ إنه يتضمن خطاباً للقاضي بأن يبدأ عند فصله في منازعة بالبحث عن حل لها أولاً في نصوص التشريع (النص القانوني المكتوب)، الذي يتعين أن تمده به الأغلبية الإسلامية في البرلمان الجديد. فلم يعد من مهام القاضي في عصرنا الحالي خلق النص، بل مجرد الاجتهاد في القائم من النصوص. وعلى هذا يتعين على تلك الأغلبية تعديل القائم من القوانين وإصدار ما تحتاجه مصر من تشريعات جديدة بما يتوافق مع أحكام الشريعة، وعندها سيلتزم القاضي بإعمالها لأنها التشريع.

أما حال ألا يوجد نص مكتوب يحكم النزاع، فقد ألزمته المادة الأولى سالفة الذكر البحث في العرف عن حل للخصومة، وفي ذلك رحمة بالناس لأنه سيحكم بما ألفوه من حلول، وهذا أرعى لمصالحهم، متى لا تصادم هذه الحلول نصاً شرعياً، فصار اللجوء لهذا الحل مصلحة مشروعة، وكما يقال حيث وجدت المصلحة فثم شرع الله. فهل لجوءه للعرف هنا تحاكم بغير الشريعة أم ماذا؟ طبعاً تحاكم بالشريعة ونص.

فإن لم يكن العرف مسعفاً للقاضي في تقديم حل للنزاع لجأ القاضي في المسألة إلى المبادئ العامة للشريعة التي هي مقاصد الشريعة وروح الإسلام، وهي نوع من الاجتهاد من قبل القاضي في مجموعة من القواعد الفقهية؛ ومنها مثلاً قاعدة الضرر يُزال، وقاعدة درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح، وقاعدة المشقة تجلب التيسير... وهكذا. ويمكن إيضاح الفكرة بهذا الفرض المجازي: افترض إن امرأة أرادت أن تستخرج رخصة قيادة سيارة، في أول ظهور للسيارة في مصر، فرفضت إدارة المرور منحها الترخيص، بحجة أن قيادة المرأة حرام لقول ربنا سبحانه وتعالى "وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ" [الأحزاب، الآية 33]. فرفعت هذه المرأة دعوى لإلغاء القرار السلبي بالامتناع عن منحها رخصة السير، لما الدعوى تروح للقاضي الذي يتحاكم بالشريعة... يحل المسألة إزااااااي؟ أولاً القاضي معندهوش نص صريح من قرآن ولا سنة ولا قانون يمنع المرأة من قيادة السيارة، ومعندهوش عرف بخصوص هذا الموضوع لأن السيارة لسه يا دوباك جديدة في المجتمع، يعمل إيه القاضي؟ أه... يروح لمبادئ الشريعة. ووفق هذه المبادئ يمكن أن يستند لقاعدة الأصل في المعاملات الإباحة، وبالتالي يلغي قرار جهة المرور ويأمر بمنحها الرخصة. وهذه قاعدة يسندها الفقهاء إلى ما ورد في الحديث عن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئاً، وتلا قوله تعالى: "وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا" [مريم، الآية 64]. كما يمكن للقاضي في الفرض الذي سقناه أن يستند إلى قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ومن ثم يرفض دعواها.

وهذا منطق سليم للتحاكم بين الناس؛ فيقضى في شؤونهم أولاً بالنص التشريعي المكتوب، منين بقى تستمده؟ أنته وشطارتك، لو برلمان اسلامي عدل قوانينك وأكتب الجديد منها وفق أحكام الشريعة، وليصدرها رئيس الدولة في قانون وسوف يطبقه القاضي أولاً على كل نزاع معروض لأنه التشريع، أي النص المكتوب، الذي أوجبت تطبيقه المادة الأولى من القانون المدني. فإن لم يجد القاضي للمسألة حلاً تشريعياً لجأ إلى المصادر الاحتياطية سالفة البيان، ولا يلومن أنصار الشريعة داخل البرلمان إلا أنفسهم لأنهم عندئذ سيكونون هم من قصروا في تحكيم الشريعة من خلال النصوص القانونية.

ووفق هذه الآلية إذا يمكن أن تأخذ أحكام الشريعة وضعها في النظام القانوني المصري بعملية جراحية صغيرة، يساعد على نجاحها حتماً أن جل القوانين القائمة تتوافق نصوصها من تلك الأحكام، حتى خارج دائرة الأحوال الشخصية؛ وأن ما يحتاجه النظام القانوني المصري كي يتواءم كاملاً مع أحكام الشريعة الاسلامية لا يعدو أن يكون تنقيح لعدة نصوص، أو إصدار مشاريع القوانين الموجود بالفعل في مضابط البرلمان المصري منذ سنوات، لاسيما ما يتعلق بجرائم الحدود. ودعونا ننطلق.

وليسأل كل من يظن أن حكم الشريعة يعني التحاكم بغير القانون، لماذا أنشئت المملكة العربية السعودية كليات حقوق وأقسام قانون، مستقلة تماماً عن كليات الشريعة وهي البلد الأول في تحكيم الشريعة، والنموذج الذي قد تتوق إلى احتذاءه قلوب بعض علماء الشريعة لدينا؟ أتظنون أن المملكة قد ارتدت عن الإسلام أو أنها تتحاكم لغير شريعته؟


حنانيكم يا علماء الشريعة! فلسنا أهل القانون من الخوارج ولا جبتاً أو طاغوتاً؛ اجعلونا عوناً لكم في افراغ الأحكام الشرعية في القالب القانوني المعاصر، ودعوناً نتلمس علاجاً لمشكلات مصر بأدوات وحلول تشريعية معاصرة، طالماً أن مساحة الاجتهاد الشرعية تسمح بذلك، ولا تكونوا كمن يصر على أن يحارب بالسيف والخيل والسهام.


  
               

(*) أستاذ القانون الجنائي المساعد – كلية الحقوق جامعة المنصورة

     وكلية الحقوق والعلوم السياسية – جامعة الملك سعود

       

            الرياض: الثلاثاء 30/10/2012م.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق